نظرة عامة
داء الأكريات (الكوكسيديا، coccidiosis) مرض معدٍ في القناة المعوية علامته السريرية الرئيسة الإسهال، يصيب الحيوانات البرية والمستأنسة على السواء، وتقف وراءه أوالٍ (protozoa) عدة من شعبة Apicomplexa، تشمل Eimeria وIsospora وNeospora وCryptosporidium دون أن تقتصر عليها. وتظهر علاماته عادةً في صغار الحيوانات، وحين تظهر لا تظهر إلا في قلة منها (5%–10%)، مع أن فحص البراز المتكرر يكشف أن معظم البقية أو جميعها تقريبًا تطرح الأكياس البيضية (oocysts). وقد تبطئ العدوى تحت السريرية (subclinical) النمو وتضعف كفاءة تحويل العلف، وهو أثر قد تكون له أهميته في حيوانات الإنتاج.
المسبب ودورة حياته
الأكريات (coccidia) طفيليات أولية وحيدة الخلية إجبارية التطفل داخل الخلايا، من صف Conoidasida في شعبة Apicomplexa، ويضم جنسا Eimeria وIsospora أنواعًا كثيرة تصيب الطيور والثدييات والزواحف. ويحوي الكيس البيضي المتبوّغ أربعة أكياس بوغية (sporocysts) في Eimeria واثنين في Isospora، وقد اقتُرح اسم جنس جديد هو Cystoisospora لأنواع Isospora ذات خصائص العائل الناقل (paratenic). وتكتمل دورة الحياة كلها في عائل واحد عبر ثلاث مراحل: التكاثر البوغي (sporogony) والتكاثر الانقسامي (merogony) وتكوين الأمشاج (gametogony)، وهي في Eimeria وIsospora محدودة ذاتيًا تنتهي خلال أسابيع قليلة ما لم تتكرر العدوى. ويحتاج الكيس البيضي، على صلابة جداره السميك المقاوم، إلى الرطوبة والأكسجين والدفء كي يتبوّغ (sporulation) ويصير معديًا، فهو لا يُعدي فور طرحه مع البراز، وقد يكتمل تكوّن الكيس المتبوّغ المعدي في ساعات أو يمتد أيامًا أو أسابيع. وبعد ابتلاعه تتحرر الحيوينات البوغية (sporozoites) في الأمعاء الدقيقة وتغزو غشاءها المخاطي بعد تنشيطها بالصفراء أو التربسين، وتعيد الحيوينات الأقسومية (merozoites) إنتاج الأقسومات (meronts) دورةً أو أكثر بحسب النوع قبل الانتقال إلى تكوين الأمشاج. وتتحول الموجة الأخيرة منها إلى خلايا أنثوية كبيرة (macrogametocytes) أو خلايا ذكرية صغيرة كثيرة ذات أسواط (microgametocytes)، وباندماج نواتي خليتين منهما تنشأ خلية سميكة الجدار هي الكيس البيضي الذي يُطرح في البراز.
الأنواع المصابة وخصوصية العائل
الأكريات متخصصة بأنواع عوائلها، ولا تنشأ مناعة متصالبة بين أنواعها المختلفة في العائل الواحد، وفي الدواجن يصيب كل نوع منها أجزاء بعينها من الأمعاء. وأكريات الأغنام، عدا E. gilruthi، متخصصة بعائلها فلا تصيب الأبقار أو الماعز أو الدواجن، ولا تنتقل أنواع Eimeria من الماعز إلى الأغنام، باستثناء محتمل لـE. gilruthi. وفي القطط والكلاب والخيول تأتي العدوى أساسًا من Isospora، وعلاماتها أقل شيوعًا وأخف عادةً منها مع Eimeria، ولا توجد Eimeria في الكلاب ولا القطط، بينما تحمل الكلاب أنواعًا من Hammondia وIsospora وSarcocystis.
الانتقال وعوامل الخطر
تحدث العدوى فمويًا بابتلاع أكياس متبوّغة معدية من بيئة ملوثة، منها الفرشة (litter)، وينقل البراز الكيس البيضي، طور الانتقال، من حيوان إلى آخر عبر البيئة. وتبقى الأكياس بقشرتها المقاومة في البيئة سنة أو أكثر، وتقاوم معظم المطهرات، وبعض مطهرات الأمونيا يقتلها لكنه لا يُستعمل إلا في أماكن أُخليت من الحيوانات. وتنشأ الحالة السريرية عادةً من التعرض لأعداد كبيرة من الأكياس أو من ضغوط تقع على العائل، منها:
- سوء التغذية ونقص العناصر الغذائية والازدحام وتردّي النظافة والأمراض المصاحبة.
- الفطام والتجميع والنقل وتغيير العلف المفاجئ وتقلبات الطقس، ولا سيما الشديدة منها.
ويتوقف عمر ظهور المرض على نوع الأكريات وفترة ما قبل الظهور (prepatent period)، فأغلب الحالات بين شهر وثلاثة أشهر من العمر تقريبًا.
الإمراضية
الأنواع المقتصرة على الأمعاء الدقيقة أقل إمراضًا عمومًا لأن الأمعاء الغليظة تعوّض الامتصاص إلى حد ما، أما الغازية للأمعاء الغليظة والأعور فتميل إلى علامات أشد كالزحير (tenesmus) والبراز الدموي وفقر الدم، إذ لا منطقة بعدها تتولى الامتصاص، ويبطؤ تجدد الخلايا فيها بعد التلف. ويجري التكاثر الانقسامي (schizogony) لدى E. necatrix في الصفيحة المخصوصة (lamina propria) وخبايا ليبركون من الأمعاء الدقيقة، ولدى E. tenella فيما يقابلهما من الأعورين، فيُحدث نزفًا واسعًا، وبذلك يُعلَّل كونهما أشد الأنواع إمراضًا في الدجاج. وتميل العدوى إلى تثبيط المناعة، وتبدو العدوى الأولى مضعفة لوظيفة العدلات (neutrophils)، فيزداد تعرض العائل لعدوى أخرى، وقد تشتد الأمراض الأخرى أو تطول. والمناعة بعد Isospora جيدة تمنع تكرار العدوى، وبعد Eimeria تدوم عادةً مدى الحياة ولا تتكوّن إلا تجاه النوع الذي تعرّض له الحيوان، وهي خلطية وخلوية على ما يبدو، لكن وسيطها الرئيس الخلايا اللمفاوية التائية (T-lymphocytes).
العلامات السريرية
تكون العلامات، حين تظهر، في الحالات الشديدة زحارًا (dysentery) وتجفافًا وزحيرًا، وتصحب هذه الحالات عادةً إصابة واسعة للأمعاء الخلفية، أما الحالات الخفيفة فعلاماتها الإسهال وتراجع النمو. وتشمل العلامات السريرية الموصوفة:
- الإسهال، مع المخاط أو من دونه، وخروج الدم مع البراز (hematochezia).
- الخمول وفقدان الوزن والقيء والشحوب.
- علامات الألم البطني وفقدان الشهية (anorexia).
وقد تحدث عدوى مزمنة يصير فيها البراز عجينيًا والشعر منتصبًا، ويضعف النمو، وتتباين الأحجام داخل الفئة العمرية الواحدة.
العلامات السريرية في الدواجن
يختلف الدجاج عن الرومي في مدى وضوح المرض: ففي الرومي لا تكون العلامات والآفات المعوية العيانية مميزة للمرض (pathognomonic) ولا شائعة وإن كثرت الطفيليات، أما في الدجاج فهي مميزة، وكثيرًا ما تُشاهد في صورة إسهال نزفي يسببه E. tenella.
العلامات السريرية في الأبقار
تُشخَّص في الأبقار على الأرجح حالات سريرية من داء الأكريات أكثر مما يُشخَّص في أي نوع آخر من الثدييات، وقد عُرف في برازها حول العالم أكثر من 20 نوعًا من Eimeria، والأكريات في العجول والماشية الصغيرة النامية من أهم أسباب الإسهال، وكثيرًا ما تُنقص الإنتاج. وتظهر العدوى السريرية في عمر شهر إلى شهرين تقريبًا، والعلامة الرئيسة للعدوى تحت الحادة براز لين أو رخو يظهر عادةً بعد نحو 3 أسابيع (16–23 يومًا) من العدوى بـE. bovis وE. zuernii، وبعد 3–4 أيام من العدوى بـE. alabamensis.
العلامات السريرية في الأغنام والماعز
تقع معظم الحالات السريرية في الحملان بعمر 4–8 أسابيع المرباة في بيئة ملوثة، وتبدأ العدوى الحادة فجأة بإسهال وفقدان للشهية وبلادة وألم بطني، وقد يعقبها تجفاف ونقص واضح في الوزن والحالة الجسمية، أما الحمى فغير معتادة. ومن صور المرض في الماعز الحلوب داء الأكريات الكبدي الصفراوي (hepatobiliary coccidiosis)، وقد نُسب إليه فشل كبدي في عدة تقارير.
العلامات السريرية في الخنازير
تحدث العدوى في الخنانيص غالبًا بين عمر 5 و15 يومًا، ويتراوح الإسهال لدى المصابة منها بين براز قشدي القوام عجيني أو مبيضّ وإسهال مائي غزير مصفرّ.
العلامات السريرية في الأرانب
داء الأكريات مرض طفيلي أوالي (protozoal) شائع في الأرانب في أنحاء العالم، وكثيرًا ما تصبح الأرانب المتعافية حاملة له، وله شكلان تشريحيان:
- الشكل الكبدي، ويسببه Eimeria stiedae.
- الشكل المعوي، ويسببه E. magna أو E. irresidua أو E. media أو E. perforans أو E. flavescens أو E. intestinalis أو أنواع أخرى من Eimeria.
وقد تفقد الأرانب المصابة شهيتها ويخشن فروها، وتتوقف شدة المرض على عدد الأكياس المبتلعة، والصغار أكثرها قابلية للإصابة.
الآفات
من الآفات الموصوفة بالفحص العياني وعند التشريح:
- E. tenella في الدجاج: قد يكشف التشريح في الطيور الناجية من المرحلة الحادة سدادات أعورية (cecal cores) قوامها دم متخثر وحطام نسيجي وأكياس بيضية، والعدوى به لا توجد إلا في الأعورين، ويُستدل عليها بتجمع الدم فيهما.
- E. gilruthi في الأغنام: التهاب في المنفحة (abomasitis) مع وذمة ونزوف وعقيدات بارزة في غشائها المخاطي.
- الشكل الكبدي في الأرانب: عقيدات صغيرة بيضاء مصفرة تنتشر في متن الكبد عند التشريح.
التشخيص
يُكشف عن الأكياس البيضية في البراز بالتعويم بمحلول ملحي أو سكري (fecal flotation) أو باللطاخات المعوية المباشرة أو بالعدّ في حجيرة ماكماستر (McMaster counting chamber)، وتؤخذ العينات من عدة حيوانات في المجموعة، ممن سُجّلت عليها علامات سريرية وممن لم تُسجّل. ويرجّح عددٌ يزيد على 5,000 كيس في الغرام من البراز (oocysts per gram, OPG)، إذا صاحبته علامات سريرية، العدوى بالأكريات في المعتاد، أما العثور على أعداد ملحوظة من أكياس الأنواع الممرضة فمشخِّص، وقد تتجاوز الأعداد في الفاشيات الشديدة 100,000 كيس في الغرام. ويتأثر هذا العدد بالقدرة التكاثرية للنوع وعدد الأكياس المبتلعة ومرحلة العدوى وعمر الحيوان ومناعته وتعرضه السابق وقوام العينة وطريقة الفحص، ولذلك تُربط نتائج فحص البراز بالعلامات السريرية، وبالآفات المعوية العيانية والمجهرية حين تحدث وفيات.
العلاج والمكافحة
يمكن للعلاج بمضادات الأوالي أن يقصّر المرض ويقلل طرح الأكياس ويخفف العلامات ويحدّ من العدوى الثانوية والنفوق، لكن فعاليته في المرض السريري لم تُثبت جيدًا لمعظم الأدوية، مع قبول واسع بأنه فعال ضد تكرار العدوى فيُفترض أن ييسّر التعافي. وللمثبط المثالي من مثبطات الأكريات (coccidiostats) ثلاث صفات: أن يكبح اكتمال دورة حياة الأكريات، وأن يترك المجال لنشوء المناعة، وألا يمس الأداء الإنتاجي؛ أما معظم هذه المثبطات فأثرها مثبط للأقسومات (schizonts) المبكرة من المرحلة الأولى، ولذلك يكون استعمالها في المكافحة أنسب منه في العلاج. وتسمح حقن الكورتيكوستيرويدات للأكريات بإكمال دورتها وطرح أكياسها، وقد ارتبطت بزيادة هذا الطرح، بل أحدثت المرض السريري في عجول كانت عدواها تحت سريرية. وتقوم الوقاية الإدارية على الحد مما تبتلعه الحيوانات الصغيرة من الأكياس المتبوّغة، فتُستحث المناعة دون علامات سريرية، والمرض أساسًا مشكلة إدارية مردها عادةً الازدحام وتلوث البيئة. وفي الأرانب لا يبلغ العلاج عادةً حدّ الشفاء، وإنما يضبط المرض.
مقاومة مضادات الأكريات
يعزّز الاستعمال المستمر لمضادات الأكريات ظهور سلالات مقاومة، والمقاومة المتصالبة بين الأدوية المختلفة في آلية عملها قليلة، لكن المقاومة لمعظم الأدوية واسعة الانتشار. ولا تنشأ المقاومة بالسرعة نفسها في كل الأدوية: فظهورها في الأدوية الصناعية ذات الآلية المحددة يبدو أسرع وتدخل فيه آليات وراثية، أما تجاه الحاملات الأيونية (ionophores) فبطيء نسبيًا، ويُرجَّح أن ذلك عائد إلى تفرّد آلية عملها؛ ولم تُطرح مواد كيميائية جديدة منذ عقود.
الوضع التنظيمي
تُصنَّف الحاملات الأيونية في الولايات المتحدة مضادات حيوية، ولذلك لا تستطيع المزارع التي تعلن خلوّها من المضادات الحيوية هناك استعمالها. وفي الاتحاد الأوروبي يُفرَّق بين الأنواع التي يكون فيها داء الأكريات «منتظم الحدوث» (systematic)، أي التي لا يُشترط فيها تشخيص الداء فلا تلزم فيها وصفة، والأنواع التي لا يكون فيها كذلك، كالأبقار، وفيها تُسجَّل مضادات الأكريات أدويةً بيطرية.
الأثر الاقتصادي
من تقديرات كلفة داء الأكريات أنها تتجاوز 3 مليارات دولار أمريكي سنويًا على صناعة الدواجن العالمية، وفي تقدير آخر يستند إلى نموذج طُبّق على بيانات بلدان منها مصر تبلغ الكلفة العالمية في الدجاج نحو 10.4 مليارات جنيه إسترليني بأسعار 2016، أي 0.16 جنيه لكل دجاجة منتجة. ولعل داء الأكريات الذي تسببه طفيليات جنس Eimeria أكثر الأمراض الطفيلية كلفةً في الدواجن، ومع أن المرض السريري نفسه غير شائع، فإن مصدر خسائر الصناعة منه ضعفُ الأداء، بقلة استهلاك العلف وضعف اكتساب الوزن وتردي كفاءة تحويل العلف.
الإنذار
معدل النفوق منخفض في العموم، لكن الخنانيص الشديدة الإصابة تنفق، وقد يبلغ النفوق فيها 20% في نظم التربية الداخلية والخارجية. وكثيرًا ما يطول تعافي الحيوانات التي لا تنفق، وقد تبقى متقزّمة أو بطيئة النمو، وفي العجول الصغيرة استمر نقص الوزن في دراسات تجريبية طوال موسم الرعي الأول على الأقل.
التحصين
اللقاحات المتاحة
تنوّع أنواع الأكريات الواسع وقصور المعرفة بمناعتها الحيوية (immunobiology) من الأسباب التي تفسّر جزئيًا غياب اللقاحات عن حيوانات الإنتاج الأخرى، فالدواجن وحدها بينها تتوافر لها لقاحات تجارية ضد داء الأكريات.
اللقاحات الحية
لا تخضع الأكياس البيضية (oocysts) في معظم اللقاحات التجارية لتضعيف حيوي، فهي أكياس حية متبوّغة (sporulated) من أنواع الأكريات المختلفة تُعطى بجرعات منخفضة، ويُستعاض في بعض اللقاحات عن التضعيف الحيوي بالطابع المحدود ذاتيًا (self-limiting) لداء الأكريات. ولا يعدو اللقاح أن يُدخل العدوى، ولذلك يُصاب الدجاج في المزرعة مجددًا بنسل سلالة اللقاح. وقد يسّرت طرق إعطاء محسّنة، مثل كبائن الرش (spray cabinets) في المفقس، استعمال هذه اللقاحات في دجاج اللحم (broilers)؛ أما إعطاؤها في المزرعة، مع ماء الشرب أو رشًّا على العلف، فممكن لكنه مكلف ويستهلك عمالة كثيفة.
اللقاحات المضعّفة وغير المضعّفة
تضم بعض اللقاحات المبيعة في أوروبا وأمريكا الجنوبية خطوطًا مضعّفة (attenuated lines) من الأكريات. وتستعمل دول مثل الولايات المتحدة روتينيًا لقاحات غير مضعّفة تفوق في طاقتها الإنتاجية اللقاحات المضعّفة المرخّصة في الاتحاد الأوروبي، فتقل كلفتها تبعًا لذلك، غير أن لاستعمال اللقاح الحي غير المضعّف في مكافحة Eimeria عيبًا رئيسًا هو ما يحدثه في الدواجن من تفاعل جهازي (systemic reaction) قد يقترن بتراجع أداء الطيور.
اللقاحات ومقاومة الأدوية
تحوي بعض اللقاحات، ومنها Coccivac وParacox، أنواعًا من الأكريات عُزلت قبل طرح معظم مضادات الأكريات، وهي حساسة لها بطبيعتها، وبمثل هذه اللقاحات الحية يمكن إدخال طفيليات حساسة للأدوية إلى الحظائر التي تُربّى فيها الدواجن لتحل محل الكائنات المقاومة، وهو حل ممكن لمشكلة مقاومة الأدوية. وتقوم برامج التناوب (rotation programs)، وهي من المقترحات العملية لتحقيق هذا الإحلال، على المناوبة بين التحصين والمعالجة الدوائية في القطعان المتعاقبة التي تُربّى في الحظيرة نفسها. وفي إنتاج دجاج اللحم التجاري، ثبت أن اللقاح غير المضعّف Coccivac-B أعاد الحساسية للمونينسين (monensin).