نظرة عامة
السل في الثدييات (mammalian tuberculosis) مرض جرثومي حبيبي مزمن يصيب الماشية والحياة البرية والإنسان، ينشأ عن العدوى بأعضاء ممرضة من معقّد المتفطرة السلية (Mycobacterium tuberculosis complex, MTBC)، ويندرج تحته السل البقري (bovine tuberculosis) وسائر أشكال السل التي يسببها أعضاء هذا المعقّد. والمرض حيواني المنشأ (zoonosis) يقلل إنتاجية الماشية ويثير مخاوف على رفاه الحيوان، كما يشكّل انتقاله إلى الإنسان مشكلة من مشكلات الصحة العامة. استُؤصل السل البقري في بعض البلدان لكنه يعود إلى الظهور في بلدان أخرى، في حين لا يزال المرض متوطنًا وخارجًا عن السيطرة إلى حد بعيد في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومعظم بلدان الشرق الأوسط.
المسبب وتصنيفه
من المتغيرات المهمة داخل المعقّد M. bovis وM. caprae وM. tuberculosis، أما العاملان اللذان يوجدان عادةً في الحيوانات المستأنسة فهما M. bovis مسبب السل البقري، وM. caprae المتكيّف مع الماعز والذي يدور كذلك في بعض قطعان الأبقار. وتصنيف كائنات المعقّد لم يستقر بعد، والرأي القائل بضمّها كلها في نوع واحد هو M. tuberculosis تسنده، بحسب دليل المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH)، تحليلات جينومية حديثة، ويسوّغه مؤلفون آخرون بالقرابة الجينية الوثيقة بين عوامل المعقّد. وعلى هذا الرأي تُعامَل M. africanum وM. bovis وM. caprae وM. microti وM. pinnipedii متغيراتٍ من M. tuberculosis، أي مرادفات متغايرة النمط (heterotypic synonyms)، ويتحول اسما M. bovis وM. caprae إلى M. tuberculosis subsp. bovis وM. tuberculosis subsp. caprae. ويتفاوت أعضاء المعقّد في تخصصهم بالعائل: فـ M. bovis قادر على إحداث مرض مترقٍّ في أنواع كثيرة من الثدييات منها الإنسان، بينما M. tuberculosis أشدها تخصصًا، ونادرًا ما يُحدث مرضًا مترقيًا في غير الإنسان والرئيسيات غير البشرية.
الأنواع المصابة والمستودعات
الأبقار هي العائل الأساسي لـ M. bovis، لكنه قد يصيب على الأرجح معظم الثدييات والجرابيات أو جميعها، وتعدّ المنظمة العالمية لصحة الحيوان كل أنواع الثدييات قابلة حاليًا للإصابة بالسل على الرغم من الأدلة الكثيرة على ارتباط أعضاء المعقّد بعوائل معينة. وتذكر المنظمة من الحيوانات التي يصيبها المرض الأبقار والأغنام والماعز والخيليات والخنازير والقطط والكلاب، ومن الأحياء البرية الخنازير البرية والأيائل والظباء، كما يسبب M. bovis مشكلات خطيرة في بعض الأحياء البرية كالأسود في أفريقيا والوشق الإيبيري المهدد بالانقراض. العائل الخازن (maintenance host) المعتاد لـ M. bovis هو الأبقار، وقد تحفظه أيضًا الماعز والأيائل الأسيرة وبعض الحيوانات البرية الطليقة، أما الخيل والحمير فمقاومة نسبيًا للسل الناجم عن المعقّد، وتكون عادةً عوائل عرضية (spillover hosts). وتتفاوت الأنواع المستأنسة في قابليتها للإصابة:
- الماعز والأغنام: الماعز شديدة القابلية لعدوى المعقّد، ولا سيما M. caprae، وكذلك M. bovis وM. microti، أما الأغنام فقابلة للعدوى بـ M. bovis وM. caprae لكنها نادرًا ما تُظهر علامات المرض.
- الأيائل: قابليتها لعدوى M. bovis عالية على نحو غير معتاد فيما يبدو، ويمثّل السل الناجم عن M. bovis أو M. caprae مشكلة مهمة في أنواع كثيرة من الأيائل المستزرعة والبرية.
- الخنازير: تقبل العدوى بـ M. tuberculosis وM. bovis ومعقّد المتفطرة الطيرية (Mycobacterium avium complex)، والخنازير المرباة طليقة قابلة للإصابة بـ M. bovis على وجه الخصوص، وتكتسبه عادةً من المراعي المشتركة أو من مخالطة حيوانات مصابة.
- القطط: مقاومة إلى حد كبير لـ M. tuberculosis لكنها تقبل العدوى بـ M. bovis وM. microti ومعقّد المتفطرة الطيرية، وكثيرًا ما يُشخَّص فيها M. microti المنتقل من القوارض الخازنة له، وهو عامل وُجد كذلك واسع الانتشار في الخنازير البرية.
وإلى جانب الأيائل، تضم العوائل الخازنة البرية الرئيسية لعدوى المعقّد الجاموس الأفريقي (Syncerus caffer) والبيسون الأمريكي الشمالي والجاموس المائي والليشوي (lechwe) والخنازير البرية والبوسوم ذا الذيل الفرشاتي (brushtail possum) والغرير الأوروبي (Meles meles). وكثيرًا ما يستمر السل البقري في مجتمع متعدد العوائل (multihost community) يجمع الحياة البرية وحيوانات مستأنسة أخرى، وتختلف مكوّناته باختلاف المنطقة:
- في أوروبا: الغرير الأوراسي والأيائل والخنازير البرية؛ وفي نيوزيلندا: الأيل الأحمر والبوسوم وابن مقرض (ferret).
- في أمريكا الشمالية: الأيائل والبيسون الأمريكي؛ وفي جنوب أفريقيا: الجاموس الأفريقي؛ وفي أستراليا: الجاموس المائي.
قد تكون المستودعات البرية مصدرًا لعدوى الماشية، ولذلك لا تكفي مكافحة المرض في الماشية وحدها في البلدان المرتفعة الدخل التي سيطرت عليه إلى حد كبير في الأبقار، إذ يبقى فيها مستودع بري يجعل استئصاله الكامل صعبًا: الغرير في المملكة المتحدة، والأيائل في الولايات المتحدة، والبوسوم في نيوزيلندا.
الانتقال
تحدث العدوى عادةً بالاستنشاق أو الابتلاع أو بالتماس المباشر مع مواد معدية عبر الأغشية المخاطية أو شقوق الجلد، ويبقى التعرض للهباء (aerosol) أكثر هذه الطرق تكرارًا. في الأبقار تنتقل العدوى غالبًا بالهباء أثناء المخالطة اللصيقة، والتلامس الوثيق في الأماكن المحصورة يسهّل الانتشار، أما الابتلاع فقليل الأهمية في هذا النوع إلا لدى العجول التي ترضع من أبقار مصابة. ويختلف الطريق الغالب باختلاف العائل، فيُعتقد أن الطريق التنفسي يغلب في الإبل والرئيسيات غير البشرية والغرير، وأن الابتلاع هو الطريق الأشيع في ابن مقرض والقطط والأيائل والخيل، في حين ينتشر النقل بالعض المُعدي بين الغرير، وتقل العدوى داخل الرحم أو بالجماع. ويتبع طرح الكائن الممرض المواضعَ التي توطّن فيها من الجسم، فقد يوجد في:
- الإفرازات التنفسية، ونضحات الآفات كالعقد اللمفية النازّة وبعض آفات الجلد؛
- البول والروث والحليب والإفرازات المهبلية والسائل المنوي.
وهذا الطرح قد يأتي متقطعًا ويتفاوت من حيوان إلى آخر، أما انتقال M. bovis فيغدو أرجح مع إصابة الجهاز التنفسي، ومع بلوغ المرض مراحله المتأخرة التي تكون فيها الآفات أوسع. ويتفاوت بقاء M. bovis في البيئة بحسب الظروف المحيطة:
- في الظروف الباردة المظلمة الرطبة خصوصًا: قد يظل حتى عدة أشهر في التربة وفي مواد أخرى كالعلف والروث؛
- مع أشعة الشمس المباشرة والحرارة الأعلى والجفاف: قد يختفي أحيانًا في غضون أيام أو أسابيع.
الإمراضية
تلتهم البلاعم السنخية (alveolar macrophages) العصيات المستنشقة، وقد تقضي على العدوى أو تسمح للمتفطرات بالتكاثر، ويُطلق على الآفات الحبيبية الأولى في العضو المصاب وفي العقدة اللمفية الناحية اسم «المعقّد الأولي» (primary complex). ومن سمات الآفة تكوّن خلايا عملاقة متعددة النوى، وتجبّن (caseation) المركز المتنخر أو تكلّسه (calcification)، وإحاطة الورم الحبيبي (granuloma) بنسيج حبيبي ومحفظة ليفية، فتنشأ الدرنة (tubercle) النموذجية. وقد يكون الانتشار عبر الأوعية الدموية واللمفية معممًا وسريع الفتك كما في السل الدخني (miliary tuberculosis) الحاد، وهو عدوى معممة تظهر فيها آفات عقيدية في أجهزة متعددة منها الرئتان والكبد والكلية والطحال والغدد الثديية والقناة الهضمية والجهاز العصبي المركزي. وقد تبقى الحيوانات المصابة هاجعة مدة طويلة وتعود العدوى إلى النشاط بعد سنوات أو عند تثبيط المناعة، أما العدوى الكامنة التي تبقى فيها المتفطرات حية دون تكاثر داخل الأورام الحبيبية فشائعة في سل الإنسان، وقد تحدث في سل الحيوان ولا سيما لدى الغرير.
العلامات السريرية
ليس للسل في الثدييات علامات سريرية واسمة (pathognomonic) أو مميزة، وكثيرًا ما لا يُكشف عنه في الحيوانات إلا بعد النفوق، أثناء مراقبة المسالخ أو عند التشريح، بالعثور على آفاته المميزة.
- الأبقار: من أكثر ما يُلاحظ فيها نقص الوزن المترقي والضعف وفقد الشهية وحرارة جسم مرتفعة قليلًا أو متقلبة، إلى جانب السعال وتضخم العقد اللمفية (lymphadenopathy).
- الخيل: العلامة الرئيسية فيها عادةً متلازمة هزال غير نوعية تتطور إلى حمى وضيق تنفس وسعال.
- القطط: يُشتبه بالسل في القطط التي تعرضت لبشر أو ماشية أو حيوانات برية يُحتمل أنها مصابة، وفي القطط التي تظهر عليها ذات الرئة أو تضخم العقد اللمفية أو خراجات لا تستجيب للعلاج بمضادات الميكروبات.
- الغرير الأوروبي والبوسوم ذو الذيل الفرشاتي، وكلاهما من العوائل الخازنة البرية الرئيسية للعدوى: يشيع فيهما الشكل التنفسي من السل، لكن مساره يفترق بينهما، فهو يميل إلى الإزمان في الغرير الذي قد يعيش المصاب منه سنوات، أما البوسوم فيموت في الغالب خلال أشهر قليلة.
كثيرًا ما تتضخم العقد اللمفية السطحية وقد تتمزق وتنزّ في الحالات المتقدمة، أما العقد العميقة فلا يمكن جسّها دائمًا، لكنها قد تسد المجاري الهوائية والبلعوم والأمعاء فتؤدي إلى ضيق التنفس (dyspnoea) والنفاخ الكرشي (ruminal tympany). أما ضيق التنفس أو تسرّعه (tachypnoea) فيظهر في الحالات الأكثر تقدمًا من إصابة الجهاز التنفسي، وهي إصابة يدل عليها عادةً سعال رطب متقطع يزيده البرد أو المجهود سوءًا.
الآفات
أكثر مواضع الآفات السلية المميزة تكرارًا الرئتان والعقد اللمفية خلف البلعومية والقصبية والمنصفية، أما في الحيوانات التي تُصاب أساسًا بالابتلاع فتكون أعضاء البطن والعقد اللمفية المساريقية أرجح مواضعها. وحين يصل M. bovis في الأبقار إلى الجنبة أو التامور أو الصفاق تتكون درنات صغيرة متعددة، لاطئة أو معنّقة أو قنبيطية الشكل، ينتهي بها الأمر إلى التكلّس.
التشخيص
في الأبقار والماعز والأيائل الحية، يقوم تشخيص السل عادةً على اختبارات المناعة الخلوية، أي اختبار الجلد أو اختبار الإنترفيرون غاما. ولنتيجة اختبار التوبركولين الجلدي حدود: فالنتيجة الإيجابية لا تميّز الحيوان المصاب بعدوى نشطة من حيوان ربما تعافى منها، وتفاعلات فرط الحساسية المتأخر (delayed hypersensitivity) قد لا تظهر إلا بعد 3–6 أسابيع من العدوى. وقد تأتي النتيجة سلبية كاذبة لدى الحيوانات ضعيفة الاستجابة المناعية، كحديثة العدوى والمثبطة مناعيًا والحالات المتقدمة غير المستجيبة والحيوانات المسنة، وكذلك لدى الأبقار حديثة الولادة. أما الكشف المباشر كالزرع فهو الأسلوب القاطع لتشخيص السل في الحيوانات، غير أنه صعب ويستغرق وقتًا: فالمستعمرات قد تظهر أحيانًا بعد أسبوعين فقط، لكن الوسيط على الأوساط الصلبة 4-5 أسابيع، وقد تحتاج بعض العينات إلى 12 أسبوعًا أو أكثر.
الوقاية والمكافحة
تقوم مكافحة السل في حيوانات الإنتاج أساسًا على الفحص والإعدام (test-and-cull) وعلى مراقبة المسالخ، وتقرّ إرشادات المنظمة العالمية لصحة الحيوان بأن تدابير مكافحة بديلة ومكمّلة قد تكون مناسبة حيث لا تكون استراتيجيات الاختبار والذبح (test-and-slaughter) ممكنة أو مقبولة. ولا تزال بسترة (pasteurisation) الحليب إجراءً مهمًا لمكافحة المرض في بلدان كثيرة يوجد فيها، وقد شكّل إدخالها خطوة كبرى في مواجهة عدوى المعقّد في الأبقار والإنسان، والبسترة القياسية بطريقة الحرارة العالية لمدة قصيرة (HTST) تُتلف M. bovis وM. caprae كليهما. ويعقّد وجود M. bovis وM. caprae في المستودعات البرية جهود الاستئصال، وتغدو المكافحة صعبة خصوصًا حين يوجد أحدهما في مجتمع متعدد العوائل. ويمكن الحد من انتقال العدوى من الحياة البرية إلى الماشية بتدابير الأمن الحيوي، كالحواجز حول مخازن العلف والحواجز المعدنية المصمتة التي تمنع الغرير من دخول حظائر الأبقار، ويفيد كذلك تنظيف المباني الملوثة وتطهيرها.
الوضع التنظيمي
السل في الثدييات من الأمراض المدرجة لدى المنظمة العالمية لصحة الحيوان، ويتعيّن على مسؤولي البلدان الأعضاء إبلاغ المنظمة بحالاته. للتأهل لصفة الخلو من العدوى بمعقّد المتفطرة السلية في البقريات (bovids)، تضع المدونة الصحية لحيوانات اليابسة الصادرة عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان متطلبات على البلد أو المنطقة أن يستوفيها، منها أن يكون الفحص طوال السنوات الثلاث الماضية قد أظهر غياب العدوى عن 99.8% على الأقل من القطعان، وأن تمثل هذه القطعان ما لا يقل عن 99.9% من البقريات في ذلك البلد أو المنطقة.
الصحة العامة (السل الحيواني المنشأ)
حين يصيب المرض الإنسان يُسمّى السل الحيواني المنشأ (zoonotic tuberculosis, zTB)، وهو مشكلة من مشكلات الصحة العامة، وتستطيع M. bovis وM. caprae وM. orygis وM. pinnipedii وM. microti جميعها إحداث السل في البشر. ينتقل المرض إلى الإنسان أساسًا عبر منتجات الألبان واللحوم النيئة أو غير المطهوة جيدًا، ولا سيما حيث يقل الوصول إلى البسترة، والرعاة وعمال المسالخ ومتداولو لحوم الطرائد هم الأكثر عرضة للخطر. وتقدّر المنظمة العالمية لصحة الحيوان أن نحو 147,000 حالة من السل الحيواني المنشأ تؤدي كل عام إلى قرابة 12,500 وفاة، وأن M. bovis مسؤول عن نحو 10% من حالات السل البشري، مع ترجيح أن الرقم الحقيقي لا يُبلَّغ عنه كاملًا لمحدودية المراقبة في بلدان كثيرة. وخلافًا للسل البشري الذي يسببه M. tuberculosis، كثيرًا ما يصيب السل الحيواني المنشأ أعضاء غير الرئتين، وهو ما قد يعوق التشخيص، كما أنه مقاوم بطبيعته للبيرازيناميد (pyrazinamide)، أحد المضادات الحيوية الرئيسية في علاجه، وحالات فشل العلاج فيه أكثر شيوعًا. وكان M. bovis في الماضي سببًا مهمًا للسل في البشر، وشائعًا خاصة لدى الأطفال الذين يشربون الحليب غير المبستر، ويُعتقد أنه كان وراء نحو 25-30% من جميع حالات السل قبل ظهور بسترة الحليب وبرامج مكافحة السل البقري.
العلاج
يعتمد العلاج على مقرر مطوّل من توليفة مضادات ميكروبات، وكثيرًا ما لا يُحاوَل في الحيوانات لمخاوف تتعلق بالصحة العامة.
التحصين
لقاح BCG
اللقاح الوحيد المتاح حاليًا ضد عدوى M. bovis هو عُصيّة كالميت-غيران (bacille Calmette-Guérin, BCG)، وهي سلالة حية مُضعَّفة من M. bovis، ولم تُظهر التجارب التي أُجريت على لقاحات أخرى أن أيًّا منها يمنح حماية تفوق حمايته. وتستبعد المدونة الصحية لحيوانات اليابسة الصادرة عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) السلالاتِ اللقاحية من تعريفها لمعقّد المتفطرة السلية.
الحماية والفعالية
جاءت مستويات فعالية BCG متفاوتة في تجارب الأبقار المخبرية والميدانية، وتُنسب هذه الفروق إلى عوامل من بينها عمر الحيوان وتركيبة اللقاح وطريق التحصين والتعرض للمتفطرات البيئية؛ أما سلامته فقد ثبتت في الأبقار وبعض أنواع الماشية الأخرى، وكذلك في الحيوانات البرية الأسيرة والطليقة. ولا يحمي لقاح BCG الأبقار حماية مباشرة من التحدي بالسل البقري إلا بقدر متواضع يقارب 25%، وهي نتيجة خلصت إليها مراجعة منهجية وتحليل تلوي، وتشبه ما يُلاحظ في الإنسان. غير أن الحيوان المحصّن تقلّ آفاته وتنخفض عدوائيته، فيتراجع ما ينقله من العدوى إلى غيره، ويقلّ فوق ذلك استعداده هو للإصابة؛ وعلى هذين الأثرين معًا تقوم الحماية التي يمنحها BCG. في المناطق الموبوءة التي يتعذّر فيها تطبيق الاختبار والإعدام، ترجّح نماذج المحاكاة أن برامج التحصين قد تسرّع جهود مكافحة السل تسريعًا كبيرًا، إذا أُخذت الآثار غير المباشرة المحتملة لتراجع انتقال العدوى في الحسبان إلى جانب الفعالية المباشرة المتواضعة.
التحصين والاختبارات التشخيصية
قد يجعل BCG الحيوانات حساسة لاختبار التوبركولين الجلدي ولغيره من الاختبارات المناعية القائمة على التوبركولين، فتأتي نتائج الحيوانات المحصّنة إيجابية ويصعب تمييزها من المصابة. ولأن اللقاحات قد تضر باختبارات التوبركولين الجلدية وسواها، يلزم استعمال توبركولين محدد جزيئيًا مستضدًا تشخيصيًا، وقد أُحرز تقدم كبير في تطوير مستضدات للتمييز بين الحيوانات المصابة والمحصّنة (DIVA)، خاصة في اختبار الإنترفيرون غاما أو كواشف للاختبار الجلدي. أما إدخال التحصين بـ BCG إلى الأبقار وسائر أنواع الماشية فقد يتيحه أمران: توافر اختبارات DIVA مكتملة التحقق، وإرساء الأطر التنظيمية؛ ومن الاختبارات التي يُنتظر أن تفرّق بين الحيوان المصاب والحيوان المحصّن، بعد التحقق من صلاحيتها، الاختبارات الجلدية ذات المستضدات المحددة ومقايسة إطلاق الإنترفيرون غاما (interferon-gamma release assay, IGRA).
تحصين الحياة البرية
لدى البوسوم ذي الذيل الفرشاتي (brush-tailed possum) والغرير الأوروبي (European badger) كليهما، ثبت في تجارب ميدانية أن BCG المُعطى فمويًا يوفّر حماية كبيرة حين يتعرّض الحيوان لـ M. bovis تعرضًا طبيعيًا. وتتجاوز نتائج التجارب الميدانية في الغرير الحيوانَ المحصّن نفسه: فإلى جانب انخفاض ملحوظ في عدواه الناتجة عن التعرض الطبيعي لـ M. bovis، قلّ خطر العدوى لدى الصغار التي لم تُحصَّن وتعيش ضمن مجموعات اجتماعية محصّنة. وعلى صعيد الاعتماد، تفيد صفحة المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) الخاصة بسل الثدييات بأن تحصين الغرير بلقاح BCG حاصل على الاعتماد في كلٍّ من المملكة المتحدة وأيرلندا. وتجري في عدد من البلدان تجارب لتقييم استخدام BCG في الأبقار، كما تجري في المملكة المتحدة والمكسيك تجارب تدعم استخدامه على نطاق أوسع وبفعالية أكبر في الماشية والحياة البرية.
تباين المصادر
تختلف المصادر في توافر لقاح ضد السل: فدليل المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) يعدّ BCG اللقاح الوحيد المتاح حاليًا ضد عدوى M. bovis، وتفيد صفحة المنظمة بأن تحصين الغرير به معتمد في المملكة المتحدة وأيرلندا، في حين يذكر دليل MSD البيطري أنه لا يتوفر لقاح موثوق ضد السل لأي نوع من الحيوانات، وأن اللقاحات التي طُوّرت، الحية المضعفة والمعطّلة بالحرارة ولقاحات الوحدات البروتينية الفرعية (protein subunit) ولقاحات DNA، لا تُعطى، ويعزو ذلك جزئيًا إلى تداخلها مع الاختبارات التشخيصية المستخدمة في برامج الاستئصال.