التهاب الضرع

bovineovinecaprineتشمل الأعضاء المرتبطة بالتهاب الضرع الغدة الثديية (الضرع) بأرباعها، والحلمة وقناتها (teat canal) التي تغلقها السدادة الكيراتينية حاجزاً مادياً، والحليب الذي يتغير مظهره في الشكل السريري.30 مصادر موثّقة

نظرة عامة

التهاب الضرع (mastitis) في الأبقار التهابٌ يصيب غدة ثديية واحدة أو أكثر، وأغلب حالاته عدوى داخل الضرع (intramammary infection, IMI) تدخل فيها العوامل الممرضة عبر قناة الحلمة (teat canal). ويُعدّ أشيع الأمراض المسببة لخسائر اقتصادية في صناعة الألبان، لما يسببه من نقص في كمية الحليب وتدنٍّ في جودته. ولا يخلو قطيع حلوب من إصابات تحت سريرية، وتتفاوت نسبة الأبقار المصابة بين القطعان من 5% إلى 75%.

المسببات

رُصد أكثر من 137 كائناً مسبباً لالتهاب الضرع البقري، من بكتيريا وفيروسات وخمائر وطحالب وغيرها، لكن البكتيريا تقف وراء 95% من العداوى داخل الضرع. ويلتبس تصنيف بعض المسببات، غير أن مستودع العدوى الأساسي لمعظمها يسمح من الناحية الوبائية بتقسيمها إلى فئتين: معدية (contagious) وبيئية (environmental).

  • المعدية الرئيسية: Streptococcus agalactiae، وهو طفيلي إجباري لا يعيش ولا يتكاثر في الطبيعة إلا داخل الغدة الثديية، وStaphylococcus aureus، وأنواع Mycoplasma.
  • البيئية الرئيسية: العقديات (streptococci) من غير Streptococcus agalactiae، والقولونيات (coliforms) مثل Escherichia coli وKlebsiella pneumoniae.

وباستثناء فاشيات Mycoplasma، تُعزى أغلب الحالات السريرية في معظم قطعان الألبان إلى المسببات البيئية. والقولونيات أشيع أسباب الحالات السريرية الشديدة في الأبقار، وإن كانت معظم عداواها تزول من الغدة بعلامات قليلة أو خفيفة. وقد تُحدث أنواع Mycoplasma، وأشيعها Mycoplasma bovis، شكلاً شديداً سريع الانتشار في القطيع. ومن المسببات الأخرى Pseudomonas aeruginosa الذي قد يسبب فاشيات سريرية وتكون عدواه مستمرة في الغالب، وPrototheca الذي كثيراً ما تبدو معه البقرة طبيعية مع ارتفاع عدد الخلايا الجسدية (somatic cell count, SCC) في حليبها، وNocardia asteroides المسبب لالتهاب مدمر.

الانتقال وعوامل الخطر

مصدر المسببات البيئية محيط البقرة، أما المعدية فمصدرها الأساسي الضرع المصاب، وتنتقل إلى الأرباع والأبقار غير المصابة أساساً وقت الحلب. ويسهم في نقلها كل من آلة الحلب وبطاناتها (liners) وأيدي الحلابين ومواد غسل الحلمات وإجراءات العلاج. ويختلف Mycoplasma بإمكان انتقاله بين الأبقار بالهباء (aerosol) وبلوغه الضرع بعد تجرثم الدم (bacteremia)، وقد ارتبطت فاشياته بمشكلات تنفسية في الحظائر سيئة التهوية. أما المسببات البيئية فالفرشة مصدرها الأول، ومن مصادرها الأخرى مغاطس الحلمات الملوثة وماء تحضير الضرع والوحل والذباب، والأبقار المؤواة في الحظائر أكثر تعرضاً لها من أبقار المراعي. وتفرز ظهارة قناة الحلمة كيراتيناً يحتجز البكتيريا، لكن القناة تبقى مفتوحة بعد الحلب ساعة إلى ساعتين، فيسهل دخول الكائنات ولا سيما من الفرشة المتسخة. ومن عوامل الخطر في الأبقار:

  • الفترة الانتقالية (transition period) الممتدة من ثلاثة أسابيع قبل الولادة إلى ثلاثة أسابيع بعدها.
  • السلالات عالية الإنتاج كالهولشتاين-فريزيان (Holstein-Friesian) التي تبدو أشد استعداداً وراثياً، وتعدد الولادات.
  • الحلمات الكبيرة القمعية والضرع المتدلي، وهما يرفعان خطر الشكل تحت السريري.
  • كثافة الإيواء والفرشة الرطبة وسوء التهوية والمناخ الحار الرطب، وحلب الحلمات والضروع مبتلة.
  • حمى الحليب (milk fever)، التي ترفع احتمال التهاب الضرع 8.1 مرات.

الأشكال والعلامات السريرية

في الشكل تحت السريري (subclinical mastitis) توجد العدوى دون تغير مرئي في الضرع أو الحليب، لكن الإنتاج ينخفض ويرتفع عدد الخلايا الجسدية، وتُوصف العدوى بالمزمنة إذا دامت شهرين على الأقل. وفي الشكل السريري (clinical mastitis) يتغير الحليب تغيراً مرئياً فيصير مائياً أو مصطبغاً بالحمرة أو تظهر فيه خثرات وكتل ورقائق، وقد يتورم الضرع ويسخن ويحمرّ ويؤلم. وتُعد الحالة خفيفة أو متوسطة إذا اقتصرت على العلامات الموضعية، وشديدة إذا صحبتها علامات جهازية كالحمى وفقدان الشهية والصدمة. ويظهر الالتهاب السريري في العادة في ربع واحد، وليس نادراً أن تشمل نوبات Mycoplasma عدة أرباع. والتغيرات الالتهابية والجهازية التي تصيب البقرة يسببها تحرر الذيفان الداخلي عديد السكاريد الشحمي (lipopolysaccharide, LPS) من البكتيريا، فهو الذي يطلق استجابة المرحلة الحادة (الإنتان، sepsis)، وذلك رغم أن أعداد البكتيريا في الغدة تتراجع سريعاً بعد أن تهاجر إليها العدلات (neutrophils). ويحدث تجرثم الدم في أكثر من نصف حالات التهاب الضرع القولوني الشديد. وقد تشتد عدوى Staphylococcus aureus المزمنة تحت السريرية عند ضعف المناعة، كوقت الولادة، فتتحول إلى التهاب غنغريني (gangrenous) يتلون فيه النسيج بزرقة متبقعة ويبرد. أما التهاب Mycoplasma فشديد الأثر في نسيج الضرع دون علامات جهازية في العادة، ويُشتبه به حين تصاب عدة أبقار في أكثر من ربع وهي مستمرة في الأكل.

التشخيص

ويُكشف الشكل تحت السريري على أفضل وجه بقياس عدد الخلايا الجسدية، باختبار كاليفورنيا لالتهاب الضرع (California Mastitis Test, CMT) أو بالطرق الآلية، إذ يرتبط العدد طردياً بوجود العدوى. ويدل بلوغ البقرة 200,000 خلية/مل أو أكثر على احتمال مرتفع للعدوى، وهي عتبة كثيراً ما تُعتمد دولياً، وإن كانت التغيرات الالتهابية قد تبدأ من 100,000 خلية/مل. والزراعة البكتيرية لعينات الأرباع المصابة هي الوسيلة الموثوقة الوحيدة لتحديد المسبب، وتنتشر أنظمة الزراعة في المزرعة (on-farm culture) التي تميز النمو موجب الغرام من سالب الغرام من انعدام النمو. ولا تُنبت 30% إلى 40% من عينات الحالات السريرية أي كائن، أما ما يُعزل فإن 90% إلى 95% منه عقديات أو عنقوديات أو قولونيات. ومن حدود الزراعة أن Prototheca كثيراً ما يُعرَّف خطأً في الزراعة الروتينية، وأن القولونيات لا تُزرع بموثوقية بتخطيط 0.01 مل على آجار الدم بالإسكولين (esculin blood agar) لأن أعدادها كثيراً ما تكون دون حد الكشف.

العلاج

تُفضَّل الوقاية دائماً على العلاج، ويُستطب علاج الشكل تحت السريري حين يُتوقع أن تفوق مكاسب الإنتاج بعد القضاء على العدوى كلفة العلاج. ويأتي في مقدمة الأولويات العلاجية التعامل مع الصدمة الذيفانية (endotoxic shock) بالسوائل والكهارل ومضادات الالتهاب، لأن قدراً كبيراً من التعرض لعديد السكاريد الشحمي يكون قد حدث عند بدء العلاج. وتُستعمل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) على نطاق واسع في الحالات الحادة، وقد خفف فلونيكسين ميغلومين (flunixin meglumine) في التهاب الضرع التجريبي الحمى والخمول وألم الضرع. وانتظار نتيجة الزراعة البكتيرية لعينة الحليب قبل علاج الربع المصاب بالتهاب سريري خفيف لا يضر، لدى الأبقار التي يُختار علاجها، بالشفاء البكتيري ولا بالانتكاس ولا بإنتاج الحليب ولا بعدد الخلايا الجسدية. ويمكن للقطعان أن تخفض استعمال مضادات الميكروبات في الحالات السريرية الخفيفة بنسبة 50% إلى 75% إذا استثنت من العلاج الحالات التي لا تُنبت أي كائن أو تُنبت كائنات سالبة الغرام أو مسببات غير مألوفة مثل Pseudomonas، إذ لا يحسّن العلاج بمضادات الميكروبات مآلها بوجه عام، وإن اختلفت قرارات العلاج المبنية على الزراعة من مزرعة إلى أخرى. وإذا تكرر الالتهاب في الربع نفسه دون علامات جهازية فتوصي المراجع بعدم تكرار العلاج وبتجفيف الربع أو استبعاد البقرة، ويُعد تكرار الانتكاس أفضل مقياس لفعالية العلاج. ويستجيب Streptococcus agalactiae جيداً لمستحضرات بيتا-لاكتام (beta-lactam) داخل الضرع، ويمكن خفض انتشاره سريعاً بعلاج كل الأبقار المصابة في القطيع، بنسب شفاء تتراوح غالباً بين 75% و90%. أما Staphylococcus aureus فيُحدث خراجات عميقة، وعلاجه صعب لأن مقاومته لبيتا-لاكتام أشيع منها في عداوى العقديات ولأنه قد يبقى داخل الخلايا بعد البلعمة، ومن سلالاته ما يقاوم الميثيسيلين (MRSA). ويُعزى ضعف نسب شفاء عداوى Staphylococcus aureus بالمضادات الحيوية جزئياً إلى أن البكتيريا تتلف جهاز القنوات وتكوّن في النسيج المفرز للحليب جيوب عدوى عميقة تتحول إلى خراجات يطوقها نسيج ندبي فيعزلها. ولا علاج مُرضياً لالتهاب Mycoplasma، فتُعزل الأبقار المصابة أثناء الفاشيات النشطة. ويُعد التعقيم الصارم لطرف الحلمة حاسماً عند أي تسريب داخل الضرع، والمستحضرات التجارية داخل الضرع أضمن تعقيماً من قوارير العلاج الجهازي متعددة الجرعات وأوثق في التنبؤ بفترات حجب الحليب واللحم.

الوقاية والمكافحة

تقوم خطة النقاط الخمس (five-point plan) على تحديد الحالات السريرية وعلاجها، وتطهير الحلمات بعد الحلب، وعلاج الأبقار الجافة (dry cow therapy, DCT)، واستبعاد الحالات المزمنة، وصيانة آلة الحلب، لكنها ليست فعالة كثيراً ضد المسببات البيئية. وأهم ممارسة منفردة لمنع انتقال المسببات المعدية تغطيس الحلمات بمطهر فعال بعد الحلب (post-milking teat dip)، فهو يخفض العداوى الجديدة بنسبة 70% أو أكثر دون أن يؤثر في العدوى القائمة. ومن ممارسات الحلب الوقائية تجنب حلب الحلمات المبتلة، وحلب أبقار الموسم الأول أولاً والمصابة سريرياً آخراً، وعدم تجريد الحليب على اليد. ويُحافظ على القطيع مغلقاً مع زراعة حليب الحيوانات المشتراة قبل ضمها، وتُحلب الأبقار المصابة بـ Staphylococcus aureus في النهاية أو بوحدة منفصلة. وفترة التجفيف (dry period) حرجة لصحة الضرع، إذ تكون الغدة شديدة التعرض لعداوى جديدة أثناء مرحلة ارتداد الغدة اللبنية (involution)، ويبلغ الخطر ذروته في الأسابيع الأولى بعد التجفيف ثم قبيل الولادة. ويقضي علاج الأبقار الجافة على العداوى تحت السريرية القائمة ويمنع الجديدة، ومعظم مستحضراته فعالة ضد العقديات البيئية لكنها تفتقر إلى الفعالية ضد القولونيات. وقد ظل العلاج الشامل (blanket dry cow therapy) لجميع أرباع الأبقار كلها عند التجفيف ركيزة للمكافحة أكثر من 50 عاماً، أما القطعان التي يتجاوز فيها عدد خلايا الخزان المجمَّع 200,000 خلية/مل فليست أفضل المرشحين للعلاج الانتقائي (selective dry cow therapy). وتعمل سدادات الحلمة الداخلية (internal teat sealants) حاجزاً مادياً، فإذا أُضيفت إلى المضاد الحيوي عند التجفيف قللت العداوى الجديدة مقارنة بالمضاد وحده، وتُقرن بمضاد حيوي في الأرباع المصابة أو مجهولة الحالة.

الأثر الاقتصادي والصحة العامة

يمثل نقص إنتاج الحليب الناجم عن تضرر النسيج الثديي نحو 70% من خسائر التهاب الضرع. والشكل تحت السريري الأهم اقتصادياً لكثرة انتشاره وآثاره الطويلة، وقد تقابل الحالة السريرية الواحدة بالمسببات المعدية 15 إلى 40 حالة تحت سريرية. والمرض السبب الأول للاستبعاد المبكر لأبقار الحليب، وتتحدد كلفة علاجه بالحليب المُتلَف أكثر من ثمن الأدوية. ويُتلف الحليب أثناء العلاج بالمضادات الحيوية وفي فترة الانتظار التي تليه، لأن بقاياها تحمل خطر الحساسية ومقاومة الأدوية لدى المستهلك. ويُعتمد عدد الخلايا الجسدية في البلدان المتقدمة مؤشراً لتقدير حدوث المرض في القطعان وجودة الحليب الخام، وارتفاعه يدل دائماً على عدوى في بعض الأرباع. ويشترط الاتحاد الأوروبي ألا يتجاوز عدد الخلايا الجسدية في حليب الأبقار الخام 400,000 لكل مل.

التهاب الضرع في الأغنام والماعز

في الأغنام قد يسبب التهاب ضرع النعجة نفوق حملانها جوعاً أو تدني أوزانها عند الفطام، ويُعد المرض أهم مصادر القلق على رفاهية النعاج. ويخفض الشكل تحت السريري إنتاج النعاج الحلوب بنسب أفيد بأنها تصل إلى 55%. وتظهر لديها أشكال فوق حادة وغنغرينية وحادة وتحت حادة، وأشيع المسببات Staphylococcus aureus والعنقوديات سلبية المخثرة (coagulase-negative staphylococci) والعقديات وEscherichia coli وMannheimia haemolytica وTrueperella pyogenes. ورغم اختلاف النعاج عن الأبقار في تشريح الضرع ووظائفه وأنظمة الإدارة، يمكن تطبيق مبادئ تشخيص التهاب الضرع البقري وعلاجه عليها. وفي الماعز يحدث الشكل السريري متفرقاً بمعدل سنوي دون 5%، ويمثل تحت السريري 30% إلى 50% من الحالات. والعنقوديات غير الذهبية (non-aureus staphylococci) أشيع المسببات لدى المعزات وتسبب عداوى مستمرة، أما Staphylococcus aureus فقليل (دون 5%) لكنه قد يسبب عداوى مستمرة لا تستجيب عموماً للعلاج. ويسبب فيروس التهاب المفاصل والدماغ الماعزي (caprine arthritis-encephalitis virus, CAEV) التهاب ضرع متصلباً (indurative). ومن العلامات حليب متكتل كريه الرائحة وامتناع المعزة عن إرضاع جديها. ويصعب الاعتماد على عدد الخلايا الجسدية في الماعز لضعف تمييزه بين المصابة وغير المصابة، إذ تشيع أعداد تتجاوز 1,000,000 خلية/مل لدى معزات غير مصابة في أواخر الموسم. ويهدد انقطاع الحليب المعدي (contagious agalactia) مزارع الماعز الحلوب، إذ قد ينخفض الإنتاج بنسبة 25% إلى 100%.

التهاب الضرع في الإبل

التهاب الضرع من أهم أمراض الإبل، وشكله تحت السريري الأكثر انتشاراً والأقل تشخيصاً في قطعانها الحلوب، ولذلك تُنسب إليه أكبر الخسائر الاقتصادية. ويكثر أن يكون Streptococcus agalactiae وStaphylococcus aureus مسببين له في قطعان أفريقيا، ويرتبط الشكل تحت السريري بالعمر ومرحلة الحلابة وربط الحلمات لمنع رضاعة الحُوار. ومن علاماته تورم الضرع وسخونته وألمه ونقص الحليب وتغير مظهره، وقد تظهر على الإبل المصابة حمى وخمول.

الإنذار

أغلب العداوى القولونية قصيرة، فأكثر من نصفها يدوم أقل من 10 أيام، أما عداوى العقديات فنحو 18% منها تصبح مزمنة تدوم أكثر من 100 يوم. لكن الحالات القولونية الشديدة تنتهي بالنفوق أو الاستبعاد لانقطاع الحليب في 30% إلى 50% منها مقابل 5% إلى 10% لغيرها، وKlebsiella أسوأ إنذاراً إذ يتضاعف معها احتمال الاستبعاد أو النفوق مقارنة بالقولونيات الأخرى.

التحصين

لم يحقق التحصين الرامي إلى الحد من آثار التهاب الضرع (mastitis) نجاحاً يُذكر في معظم الأحوال، وكانت نتائجه في أفضلها متفاوتة، ويُستثنى من ذلك اللقاحات الجرثومية (bacterins) الموجهة إلى الممرضات سلبية الغرام، ولا سيما القولونيات (coliforms).

لقاحات القولونيات

تقوم هذه اللقاحات على المستضد اللبي (core antigen) للسلالة الطافرة J5 من Escherichia coli، وتخفف شدة الحالات السريرية التي تسببها القولونيات. وتفتقد السلالة J5 الإنزيم الذي يربط المستضد الجسدي (سلسلة O) بجزيء عديد السكاريد الشحمي (LPS) في جدار الخلية. ويُعزى أثرها إلى مناعة متصالبة (cross-protection) ضد القولونيات عبر المستضد اللبي المشترك. لكنها تلطّف العلامات في الحالات السريرية سلبية الغرام وحدها، ولا تمنع حدوث العدوى. وقد ثبتت فعالية عدد من المنتجات في تحصين الأبقار السليمة ضد التهاب الضرع بـ Escherichia coli، مع اختلاف الفئات التي يشملها كل منها وما يُستعمل له:

  • منتج يشمل الأبقار البالغة، ومنها الحوامل.
  • منتج يشمل الأبقار ومنها الحوامل، ويمتد أثره إلى تسمم الدم بالذيفان الداخلي (endotoxemia) الناجم عن E. coli وSalmonella typhimurium.
  • منتج لأبقار الحليب، موجّه ضد طرح E. coli في الحليب بسبب التهاب الضرع.

لقاحات المكورات العنقودية

يجمع لقاح ستارتفاك (Startvac) خلايا كاملة معطَّلة من سلالتين: J5 من Escherichia coli عُطّلت بالحرارة، وCP 8 من Staphylococcus aureus عُطّلت بالفورمالديهايد. وتستند سلالة المكورات العنقودية فيه إلى معقد المستضدات المرتبط بالمادة المخاطية (SAAC)، وهو عديد سكاريد خارجي. ويستهدف ثلاث فئات من المسببات هي Staphylococcus aureus والقولونيات والمكورات العنقودية سلبية المخثرة (coagulase-negative staphylococci)، إذ يُستعمل لتحصين القطيع من الأبقار والعجلات (heifers) السليمة في قطعان الحليب التي تعاني تكرر التهاب الضرع، بغرض تقليل حدوث الشكل تحت السريري، وتقليل حدوث الحالات السريرية وشدة علاماتها. وفي تجارب التحدي (challenge) خفّض تكاثر S. aureus معنوياً خلال أول 48 ساعة. ويتيح مكافحة لا تعتمد على المضادات الحيوية، فيجنّب مشكلات بقاياها. ويوصى بمنتج آخر وسيلةً مساعدة في الوقاية من التهاب الضرع بـ Staphylococcus aureus، وذلك بتحصين الأبقار السليمة القابلة للإصابة.

لقاحات Streptococcus uberis

المادة الفعالة في لقاح يوباك (UBAC) حمض الليبوتيكويك (LTA) ضمن مكوّن الالتصاق بالغشاء الحيوي (BAC) من Streptococcus uberis، السلالة 5616. والغرض من تحصين الأبقار والعجلات السليمة به تحصيناً نشطاً ثلاثي: تقليل ما تسببه العدوى داخل الضرع بـ Streptococcus uberis من خسائر في إنتاج الحليب، وخفض حدوث الحالات السريرية منها، وخفض عدد الخلايا الجسدية (somatic cell count, SCC) في عينات حليب الأرباع الإيجابية لهذه الجرثومة. وفي دراسة ميدانية متعددة المراكز قلّت الحالات السريرية الجديدة بها في المجموعة الملقحة بنسبة 50% عن مجموعة الدواء الوهمي (6.1% مقابل 12.2%)، بفرق معنوي إحصائياً.

الأغنام والماعز

في القطعان التي يتكرر فيها التهاب الضرع، يُستعمل لقاح للتحصين النشط للنعاج السليمة بهدف خفض حدوث الشكل تحت السريري الذي تسببه Staphylococcus aureus، ويتجلى ذلك في تراجع آفات الضرع وعدد الخلايا الجسدية وعدد هذه الجرثومة. وفي إناث الماعز يخفض الشكل تحت السريري بـ Staphylococcus aureus و/أو المكورات سلبية المخثرة، وإن وقعت حالة سريرية بالأخيرة جاءت علاماتها في الضرع والحليب أخف.

مكانه في برنامج المكافحة

ويتناول برنامج مكافحة التهاب الضرع المركّب عوامل صحة الضرع المهمة جميعها، ومنها تقنية الحلب والنظافة والتغذية وإدارة التجفيف والتناسل والإيواء والفرشة وراحة البقرة وجودة الهواء والماء ومراقبة الصحة، إلى جانب ممارسات إدارية أخرى، وما التحصين إلا مكوّن واحد فيه.

العلامات والأعراض

يمر الشكل تحت السريري من التهاب الضرع (subclinical mastitis) دون التهاب موضعي ظاهر أو إصابة جهازية، وإن ظهر في الحليب أحياناً تغير عابر. ويُعد عدد الخلايا الجسدية (somatic cell count, SCC) في الحليب، وهي في أغلبها كريات بيض، أفضل وسيلة لكشف هذا الشكل، ويُقاس آلياً أو باختبار كاليفورنيا لالتهاب الضرع (California Mastitis Test). ويدل بلوغ هذا العدد 200,000 خلية/مل أو أكثر في البقرة على احتمال مرتفع للعدوى، مع أن القراءة متفاوتة ولا سيما إذا بُنيت على تحليل واحد. أما الشكل السريري (clinical mastitis) فيتجلى في حليب متغير تغيراً مرئياً، كتبدل لونه أو ظهور خثرات الفيبرين فيه، وقد يتورم الضرع ويسخن ويؤلم ويحمرّ كلما اتسع الالتهاب. وتوصف الحالة السريرية بالشديدة إذا صحبتها علامات جهازية كالحمى وفقدان الشهية والصدمة. وتذكر نشرة الإرشاد التعاوني في جامعة كنتاكي أن الالتهاب السريري الذي تسببه المسببات البيئية يتدرج من علامات موضعية خفيفة، كتغير الحليب وتورم الغدة، إلى علامات جهازية كالحمى والخمول، وقد ينتهي بالنفوق. ومن العلامات الجهازية في الحالات القولونية السريرية بحسب المصدر نفسه الحمى والامتناع عن العلف وتسارع التنفس، وهي لا تظهر إلا في نحو 10% من هذه الحالات، وقد يعقبها النفوق. ويتبدل لون الحليب وجودته في الشكل السريري بقدر شدة الالتهاب، ويصير الضرع متورماً متغير اللون مؤلماً عند الجس، بحسب وصف باحثي دراسة عن الإبل الحلوب في شمال مصر.

الفيزيولوجيا المرضية

ينشأ التهاب الضرع في معظم الحالات حين تدخل الكائنات الدقيقة الحلمة عبر قناتها، ويكاد أي كائن دقيق يستطيع أن يغزو هذه القناة انتهازياً فيُحدث الالتهاب. وقد تتطور العدوى داخل الضرع (intramammary infection) إلى التهاب، فيرتفع عدد الخلايا الجسدية في الحليب لمقاومة العدوى. ويُصنف أشيع مسببات التهاب الضرع البقري عادة في فئتين، معدية (contagious) وبيئية (environmental)، من بين أكثر من 135 كائناً دقيقاً عُرفت منه. ومن أبرز المسببات المعدية Staphylococcus aureus وStreptococcus agalactiae وMycoplasma bovis. وتعد جامعة كنتاكي من المسببات البيئية القولونيات (coliforms)، أي Escherichia coli وأنواع Klebsiella وEnterobacter، والعقديات البيئية Streptococcus uberis وStreptococcus dysgalactiae، وأنواع Enterococcus. وتظل قناة الحلمة مفتوحة في نصف الأرباع بعد عشرة أيام من التجفيف وفي 5% منها بعد ستين يوماً، بحسب دراسات تذكرها جامعة كنتاكي، مع أن السدادة الكيراتينية (keratin plug) التي تغلق القناة حاسمة لمنع البكتيريا من دخول الغدة. وترتفع قابلية الغدة للعدوى بالتزامن مع تسرب اللبأ الذي يحدث في الغالب، وتراجع كفاءة كريات الدم البيض الواقية، وتفكك السدادة الكيراتينية. ومن العداوى الجديدة داخل الضرع في فترة التجفيف، يُكتسب أكثرها خلال الأسبوعين أو الثلاثة الأخيرة من الحمل، و95% منها بيئية المنشأ، وتبقى غير ملحوظة حتى تُحدث التهاباً سريرياً في مطلع الحلابة التالية. ويرى باحثو دراسة عن مقاومة المضادات في أبقار الحليب أن الإجهاد البدني عند الولادة وتوازن الطاقة السلبي وزيادة هرمونات الولادة المثبطة للمناعة تفسر استمرار عدوى الضرع المكتسبة في مطلع فترة التجفيف عادة حتى تظهر في صورة التهاب سريري في الفترة الانتقالية (transition period).

الوبائيات

يرى المجلس الوطني لالتهاب الضرع (National Mastitis Council) أن مصدر المسببات المعدية هو الأبقار المصابة وأنها تنتقل من بقرة إلى أخرى، في حين أن المصدر الأساسي للمسببات البيئية هو المحيط الذي تعيش فيه البقرة. ويحدث الانتشار المعدي أثناء الحلب عبر مسالك منها أيدي الحلابين وبطانات وحدة الحلب، ولا يُستثنى من ذلك إلا أنواع Mycoplasma التي قد تنتقل من بقرة إلى أخرى بالهباء (aerosol) ثم تغزو الضرع بعد تجرثم الدم (bacteremia). وكلما ارتفعت حرارة الجو ورطوبته تزايدت أعداد البكتيريا في البيئة، وتذكر جامعة كنتاكي أن أعدادها في الفرشة ترتبط بمعدلات العدوى وبأعدادها على أطراف الحلمات. وتلاحظ جامعة كنتاكي أن المسببات البيئية صارت تسبب الالتهاب السريري على نحو متزايد في قطعان كثيرة، ولا سيما في الأيام المئة الأولى من الحلابة. وتُظهر دراسات أن أكثر من 60% من العداوى الجديدة داخل الضرع تقع في فترة التجفيف، وأن الغالبية العظمى منها سببها بكتيريا بيئية. ولا يخلو قطيع ألبان من أبقار مصابة بالشكل تحت السريري، وتتراوح نسبة الأبقار المصابة بين القطعان من 5% إلى 75%، ونسبة الأرباع المصابة من 2% إلى 40%. وفي دراسة على الإبل الحلوب في شمال مصر بلغ انتشار التهاب الضرع 38.46% من 390 ناقة، منها 6.4% حالات سريرية و32.1% حالات تحت سريرية. وكانت Escherichia coli بنسبة 25% والعنقوديات سلبية المخثرة (coagulase-negative staphylococci) بنسبة 26.1% من العزلات البكتيرية السائدة في تلك الدراسة، وبلغت نسبة Staphylococcus aureus فيها 22.4%، في حين كانت Streptococcus agalactiae أقل العزلات رصداً. ووجدت الدراسة نفسها أن احتمال الإصابة يرتفع ست مرات لدى الإبل التي تجاوزت خمس سنوات، وثلاث مرات في مطلع الحلابة ومع آفات الضرع أو الحلمة، ومرتين مع الإصابة بالقراد ومع سوء نظافة الحلب.

التشريح المرتبط

تشمل الأعضاء المرتبطة بالتهاب الضرع الغدة الثديية (الضرع) بأرباعها، والحلمة وقناتها (teat canal) التي تغلقها السدادة الكيراتينية حاجزاً مادياً، والحليب الذي يتغير مظهره في الشكل السريري.

الوقاية الأولية

يعد دليل MSD البيطري تغطيس الحلمات بعد الحلب في مطهر فعال أهم ممارسة إدارية منفردة لمنع انتقال العداوى الجديدة بالمسببات المعدية. ويرى الدليل نفسه أن نظافة ما قبل الحلب مفيدة، بأن تكون الحلمات نظيفة جافة قبل تركيب وحدة الحلب، ومن ذلك تغطيسها بالمطهر قبل الحلب. ويذكر الدليل أن العناية بسلامة طرف الحلمة، والفرشة النظيفة الجافة، والضروع النظيفة الجافة وقت الحلب، وتجنب الماء في الحلب إلا لنظافة وحداته، كلها تحسن المكافحة. وتعد جامعة كنتاكي إبقاء الأبقار الجافة نظيفة جافة باردة مريحة أمراً حاسماً لصحة الضرع. وتعد الجامعة نفسها علاج الأبقار الجافة بالمضادات الحيوية الخطوة الأساسية في مكافحة التهاب الضرع لدى الأبقار الجافة. ويذكر دليل MSD أن سدادات الحلمة الداخلية (internal teat sealants) تعمل حاجزاً مادياً يساعد على تقليل العداوى الجديدة. ويذكر الدليل أيضاً أن تقنية المستضد اللبي (core antigen) المبنية على السلالة الطافرة J5 من Escherichia coli قد تساعد على تخفيف شدة الالتهاب السريري الذي تسببه القولونيات. ويرى باحثو دراسة عن مقاومة المضادات في أبقار الحليب أن خفض عدد الخلايا الجسدية في حليب الخزان المجمع يتطلب علاج حالات الالتهاب حتى الشفاء، أو استبعادها إن تعذر شفاؤها بالعلاج. ويخلص باحثو دراسة الإبل في شمال مصر إلى أن ممارسات الحلب السليمة الصحية حاسمة للوقاية الفعالة من الشكلين السريري وتحت السريري.

الإنذار المتوقع

تزول معظم عداوى القولونيات من الغدة بعلامات قليلة أو خفيفة، وكثير من الحالات الخفيفة التي لا تُنبت بكتيريا في الزراعة عداوى قولونية تزول قبل أن يلزم العلاج. ولا تتطور إلى علامات جهازية إلا نحو 10% من الحالات القولونية السريرية، بحسب جامعة كنتاكي، وقد ينتهي بعضها بالنفوق. وتتراوح نسبة الحالات التي تنتهي بنفوق البقرة أو استبعادها لانقطاع الحليب بين 5% و10% في التهاب الضرع الذي تسببه مسببات غير القولونيات، وترتفع إلى 30%–50% في الالتهاب القولوني الشديد. ويُضاعف Klebsiella احتمال استبعاد البقرة المصابة أو نفوقها مقارنة بسائر القولونيات، وينبغي بحسب دليل MSD أن يكون الإنذار في عدواه متحفظاً على نحو خاص. ويصعب كثيراً شفاء عدوى Staphylococcus aureus، أما سائر العداوى القائمة عند التجفيف فتقدّر جامعة كنتاكي أن علاج الأبقار الجافة (dry cow therapy) يقضي على 70% إلى 98% منها.